السيد جمال محمد صالح
53
وانقضت أوهام العمر
بوجوههم دون الانتظار لأمر الجهاد أو فتوى الدفاع ، لأن الظلم قد وقع عليه ، والاجحاف قد تمكن منه . ولقد * ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . . ) * لأنّهم شهدوا على واقع الحال أكثر من غيرهم ، وقاسوا من ضروب المحن أكثر من غيرهم ، عرفوا منهج الحق أكثر من غيرهم . . أو وقعوا تحت ضغط وقائع غالباً ما كان لها أن تبعث بأحدهم إلى التفكير بضرورة اللجوء دوماً إلى الحق ، وإلاّ ما كان لهم أن يصيروا من ضمن أولئك الذين كانوا في البحر حتّى إذا ما دعوا اللّه مخلصين ، فأنجاهم إلى البر ، إذا هم معرضون من جديد . . فكانت مثل هذه الشهادة خليق بها أن توقع في قلبي آيات الخوف والهول حتّى جاء اليوم الذي كنت قد تعرفت فيه إلى طلال عبد الواحد . كان هذا الأخير شاباً متفتحاً ، ذا هيبة ووقار ، يملؤه الاعتزاز بما يعتقد ، بل إنّ من مثله كان ليكون أقرب إلى الآخرين من نفسه ، لأنّي شعرت به كان يحاول أن يقرّب مثل هذه المسائل إلى أذهان العموم . . وليس هو من أولئك المتحجّرين الذين لهم أن يُملوا أفكارهم على الآخرين عنوة ، ويغرونهم بكُلّ وسيلة وأُخرى ، كيما يتلقوها عن إذن وهم صاغرون . . وبالرغم من كُلّ تطلعاتهم الخاصة ونواياهم الشخصية . . جلسنا إلى المائدة سوياً . . تناولنا طعام الغداء ، تكلمنا حول أشياء مختلفة ، شغلتنا أُمور عديدة ، كان منها ملذاً للسامع وكان غيرها مثيراً للضجر . . هكذا أحسست ، وإذا بي أنا نفسي أقود به إلى ما كان يريد أن يستمعه منّي . ففاجأته وراح يتفرس في تقاسيم وجهي ، وكأنّه يحاول أن يكتشف أيّما رجل أنا ؟ أنا الذي أحاول تلقاء نفسي أن أبحر في مثل هذا البحر ، بينما كان غيري ربما فرّ من المجازفة أو المغامرة في الخوض عبر عباب مثل تلك